المجتمعات وشواهد اللغة - صحيفة ثربان الإلكترونية




الألفاظ اللغوية الشائعة في المجتمع لها دور كبير في تفسير واقعه الاجتماعي والفكري والنفسي كما أن لها دور في تكوين العقل الجمعي والطبيعة النفسية والفكرية للمجتمع أيضا .. فاللغة حاملة الثقافة بكل تطيفاتها وصانعة الوعي الاجتماعي والفكري عن طريق تسربها من اللاوعي إلى التفكير والشعور .. وقد بسط المفكر المغربي محمد عابد الجابري ١٩٣٥- ٢٠١٠م الحديث حول تأثير اللغة على تكوين العقل في كتابه (تكوين العقل العربي) وهو أحد كتب مشروعه الماتع (نقد العقل العربي) والذي يحتوي على أربعة كتب هي (تكوين العقل العربي) و (بنية العقل العربي) و(العقل الأخلاقي العربي) و (العقل السياسي العربي) .. ومن له اطلاع على علم اللسانيات ونظرياتها الحديثة يدرك ما أقول ..

فنظريات مثل البنيوية والتفكيكية وغيرها من النظريات في علم اللسانيات مهمة جدا لأي دارس في العلوم الاجتماعية والإنسانية .. وبإمكان المتخصص أن يحكم حكما أوليا مقاربًا على الحالة النفسية والفكرية لأي مجتمع من المجتمعات من خلال العبارات الشائعة والأحاديث الدارجة التي تعبر بها الألسن عن طبيعة أهلها النفسية وبنيتهم الفكرية.. وهذا لا يعني أن الحكم يصدق على كل الأفراد في هذا المجتمع ولكنه بالضرورة يصدق على الأكثر والغالب من أفراده بنسب متفاوتة من مجتمع لآخر .. فشيوع عبارات طرفية حدية مثل (حرام) و (حلال) و(كفر) و (إيمان) و (بدعه) و (سنة) و ( حق ) و (باطل) في أحاديث الناس العامة ومجالسهم الخاصة تعطيك حكما أوليا بأن هذا المجتمع يعاني من التشدد والتعصب الديني ولدى أفراده قابلية للتطرف والجريمة أكثر من غيرهم كما تعطي حكما أوليًا بأن هذا المجتمع يعاني من أزمة الشعور بالذنب فيتخلص منها بهذه العبارات الأحادية الطرفية ليشعر بالإرتياح نوعًا ما ..

حينما كان سبينوزا يتخفى من ملاحقة المتطرفين له كان إذا نزل ببلدة تأمل عبارات أهلها الشائعة ومن خلالها يحكم على مستوى تدين وأخلاق الأكثرية وعندما وجد حيّا من الأحياء لا ترد العبارات الدينية على ألسنة أفراده في أحاديثهم العامة إلا نادرا حل به و سكن فيه واعتبر تدين أهله تدينًا متسامحا صادقا غير متشدد وحكم بأنهم أمناء ومخلصون وأخلاقيون أكثر من غيرهم .. فاللغة تعطيك حكما أوليا قويا على المجتمعات والأفراد ولكن هذا الحكم يحتاج لموهبة وتخصص .. وكان بعض العرب بفراستهم يكتشفون قيمة الشخص المعنوية والأخلاقية من خلال كلماته العفوية .. وورد في الحديث (المرء مخبوء تحت لسانه) .. وقال علي بن ابي طالب لرجل وقف أمامه (تكلم حتى أراك) .. ومما يؤسف له أن معظم الدارسين للغة العربية ومدرسيها لا يعرفون هذه النظريات ولا يعتدون بها و جل ما يتعلمونه القواعد النحوية الجامدة وعلم العروض وغيرها من الموضوعات التي لم يعد لها كبير فائدة في عالم اليوم المتحرك .. بل إن الكثير منهم يعتبر النظريات الحديثة في علم اللسانيات مؤمرة غربية على الإسلام!!!!
تعليقات : 0 | إهداء : 0 | زيارات : 1226 | أضيف في : 05-21-2020 11:29 | [أضف تعليق] إرسال لصديق طباعة حفظ بإسم حفظ PDF


أحمد الغيلاني
أحمد الغيلاني

الحجم

تقييم
5.50/10 (3 صوت)

مشاركة

محتويات مشابهة/ق

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الافضل تقييماً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر ترشيحاً/ق/ش

الافضل تقييماً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش

الاكثر ترشيحاً/ش

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

الاكثر تفاعلاً/ق

الاكثر اهداءً/ق

الافضل تقييماً/ق

الاكثر مشاهدةً/ق

الاكثر ترشيحاً/ق

المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لصحيفة (ثربان) الإلكترونية بل تمثل وجهة نظر كاتبها