ثربان الفكر والأدب والإنسان - صحيفة ثربان الإلكترونية




منذ ولد الثرباني الأول وهو يكتب تاريخه بمداد الجود ويراعة الشجاعة على صفحات الحب العذري العفيف في كتاب الحياة تتهادى راحلته بين سفوح جبال ( المعراء ) و ( مسلمن ) و ( شبعان ) و ( هده ) و ( فرواع ) يتغنى بنشيد الحرية ويطرح تساؤلات الوجود الكبرى دون ريبة من عداوة جار أو هجران قريب ويناقش صدقية التاريخ وعبثية الجغرافيا ببراءة فلسفية نابعة من العقل المتأمل دون قواعد منظمة أو دراسة موجهة أو تصورات مكتسبة .. كان الثرباني متدينًا بالفطرة ذلك التدين الإنساني النابع من نداء الوحدانية في الضمير الإنساني حينما تجور عليه اللحظات رافعًا عقيرته بثقة المؤمن المخلص ( على بابك يا كريم ) .. لم يكن يدري أن فوق هذه الأرض طوائف متطرفه أو قبائل متعصبة أغرقتها الدماء في محاولة إثبات أنها وحدها من تمتلك الحقيقة المطلقة بسبب صدفة الظرف الزمكاني الذي جاءت فيه.. كان يبدأ يومه قبيل الفجر بكأس من الشاي الأحمر المطبوخ على أعواد ( النبع ) ينتظر بياض الصبح ليرى تلك المزارع المكتسية بزروع (الدخن) تتمايل سنابلها المتورمة بالحب وكأنها أجساد حسناوات يتمايلن في رقصة ( ابو خطوة ) حين اكتمال الحصاد على (جُرُن القرية) يستفتح حياته بأعظم كلمة تختصر كل مفاهيم الحرية والعدالة والمساواة ( لا إله إلا الله ) التي ترفع القدسية عن كل موجود سوى الله ثم يركع ركعتين خفيفتين على ( غار ) الطهارة دون أن يدور بذهنه هل صلى جيرانه أو بماذا يدينون ... يصطحب شويهاته إلى المراعي المجاورة ليلهيها عن مزرعته ومزارع جيرانه .. وحين تستوي الشمس في وسط السماء يتنحى خارج مزرعته ليركع ركعات الظهر مستجيرا بالخالق من نار السموم .. ويعود إلى مزرعته وهو يفيض بالحب لكل الموجودات حوله يترنم بأعذب النغمات (ترى حبكِ اعماني وجالي على جهله) .. وبعد أن تميل الشمش باتجاه الغروب ينادي شياهه برفق القرويّ المعهود ليلتقيها على (زبير) مزرعته يتحسس ظهورها وهي تتمسح به في لوحة طبيعية من الولاء والحب الفطري بينهما .. يفرقها عنه قليلا ليركع ركعات العصر راجيًا من الله الستر وحسن الخاتمة .. ثم يرتحل بشياهه الوفية ويلتقي بزوجته القادمة تحمل الماء من عين القرية متحجبة بحجاب الأخلاق والتقوى يسفر وجهها كبدر ليلة اكتماله فيقبل جبينها قبلة الشكر والعرفان بدور الأنثى الأصيل في مشاركة الحياة بكل تفاصيلها الممكنة .. وفي رحلة العودة لبيت الحجر الذي بناه بمساعدة جيرانه يختم يومه بركعات المغرب والعشاء سائلًا الله السلامة له وللناس دون تفريق أو تحزيب أو تخصيص.. وقبل تناول كسرة العشاء ينادي جيرانه يتقصى أخبارهم الحياتية لعلهم يحتاجون لما يشاركهم به من كسرته النظيفة وقربة مائه الباردة في تلاحم إنساني لن ترقى إلى وصفه قوانين منظمات العدل وحقوق الإنسان الدولية ..

هذه حقيقة الثرباني الأول الذي كان يضرب به المثل في الجود والمروءة والإيثار والتضحية والتسامح وحسن الجوار وطهارة القلب والأخلاق .. ثربان الذي لم تكن جغرافيته القيمية تسمح بنشوء بخيل ولا جبان ولا أناني جشع إلا ما يوجبه التنوع الاجتماعي وتصنعه الطفرات الجينية فيعيشون في زوايا القرية تحتقرهم الأرض وتلعنهم السماء وتسخر منهم وتذمهم القصائد المتوارثة منبوذين لا قيمة لهم ولا كرامة ..

ثم جاءت الصحوة البغيضة فقلبت قوانين المجتمع وأصبحت ترى من كان يضرب به المثل في الشح والأنانية بالأمس يرشد الناس عن الأخلاق والقيم اليوم ومن كان يعيش متواريا في الزوايا لضعفه وقلة عقله يقود غزوات التشدد والكراهية والتحريض على بيوتات الجود والطهارة علنًا .. وانطفأت مظاهر البهجة والاحتفال والفرح لتحل مكانها ثقافة الموت والأقرع الشجاع .. وأصبحت الأنثى عورة ملبدة بالسواد حتى عن أبناء عمومتها وأخوالها وأهل نسبها يستحي الذكر من ورود اسمها على ألسنة الناس .. وأضحى التدين شكليًا يتزلف به ضعفاء النفوس لنيل لعاعة من الدنيا أو الحصول على وجاهة مزيفة ..

لقد دفنت الصحوة كل جميل وحب وفرح وتسامح وأنبتت كل قبيح وكراهية وقلق وتناحر .. هذا ما فعلته الصحوة في القرى طوال أربعين عاما .. حتى بدأت - بحمد الله - المجتمعات في العامين الأخيرين تتنفس الصعداء وتعود لطبيعتها الإنسانية وتتزع عنها جلابيب الصحوة السوداء لترتدي ثياب الرؤية الوطنية ٢٠٣٠ وتعود إلى ما كانت عليه قبل تقيحات الصحوة ( الإسلام الوسطي المعتدل المتسامح المنفتح على كل الثقافات والديانات والشعوب ) , كما قال سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان آل سعود .. فعادت الطيور للشدو وتسابق الناس على مواسم الطرب والفرح واختفت أصوات التشدد والعنف والكراهية والتحريض واستعادت المرأة دورها كشريك أصيل في الحياة ومواطن كامل الأهلية له كل حقوق المواطنة وعليه كل واجباتها ..

وهاهي ثربان الآن ترتدي أرقى حلل الفكر والأدب لتكون بلا منازع جوهرة الجنوب الثقافية وتسمع فتياتها الصغار يرددن باذخة شاعرها الرقيق :

سأكتب فيكِ شعرا لا يقفّى
ولا يرتد منه عليَّ حرفُ

تنوح به القوافل والقوافي
ليخلد في فم العشاق نزفُ

وأوزنه على نبضات قلبي
على ميزان حبكِ لا يشفُّ

وإني في هواكِ وحق عيشي
كطيرٍ في يد البازي يرفُ

عليل متعب جدا وإني
بروحي في غرامك مستخف

مساكينٌ -بني ثربان- إنا
تزيد بنا المواجع ما تخفُّ

فشكراً لمن وحد تراب وشعب المملكة العربية السعودية وسقاها بدمه الطاهر فأينعت وطاب ثمرها .. وشكرا لمن حمى أمنها واستقرارها وحفظها من كل الهزات السياسية التي اجتاحت العالم بحكمته وحنكته وعدله وحزمه.. وشكرا لمن طورها وحدثها وألحقها بركب العالم الأول المتحضر فأصبحت رقما صعبا في كل المعادلات العالمية .. شكرا لأعظم عائلة أنجبها العصر الحديث (عائلة عبدالعزيز آل سعود) .
تعليقات : 2 | إهداء : 0 | زيارات : 1629 | أضيف في : 05-18-2020 02:34 | [أضف تعليق] إرسال لصديق طباعة حفظ بإسم حفظ PDF

التعليقات
5986 "ابوخالد" تاريخ التعليق : 05-18-2020 06:29
كلام درر بارك الله فيك يصور الواقع الحقيقي الذي رأيناه سابقاً ونراه اليوم .

[ابوخالد]

5987 "علي الغيلاني" تاريخ التعليق : 05-18-2020 08:58
الله الله الله .. ما اجمل هذا الثرباني واحلى وصوفه .. رساله لهذولاك

(يقول بن هندي ميد مخلاص ديني سمّهت نعمه)

[علي الغيلاني]


أحمد الغيلاني
أحمد الغيلاني

الحجم

تقييم
5.50/10 (2 صوت)

مشاركة

محتويات مشابهة/ق

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الافضل تقييماً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر ترشيحاً/ق/ش

الافضل تقييماً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش

الاكثر ترشيحاً/ش

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

الاكثر تفاعلاً/ق

الاكثر اهداءً/ق

الافضل تقييماً/ق

الاكثر مشاهدةً/ق

الاكثر ترشيحاً/ق

المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لصحيفة (ثربان) الإلكترونية بل تمثل وجهة نظر كاتبها