إخراج زكاة الفطر نقدًا - صحيفة ثربان الإلكترونية




كان الناس في العصور الوسطى عصور ما قبل الحضارة والثورة المعرفية والتقنية الهائلة التي غيرت المفاهيم الإنسانية وتبدلت فيها قوانين الاقتصاد والاجتماع وترسخت فيها قيم جديدة تقوم على الأخلاق الإنسانية الكبرى والمقاصد الكلية العليا التي جعلت من حرية الإنسان واحترام كرامته وحقوقه هدفها الأسمى الذي تسعى إلى تحقيقه .. كان الناس قبل هذه الثورة المعرفية الهائلة يشرعون قوانينهم وأنظمتهم وفق تصوراتهم البسيطة للحياة والكون والإنسان وبما يناسب واقع مجتمعاتهم البدائية على حسب ما وصلوا إليه من العلم والمعرفة فكان البيع والشراء يتم بواسطة المقايضة والتبادل للحبوب والثمار فيشترون التمر بالأرز والثياب بالزبيب والطعام بالأقط وهكذا .. ولم يكن في عصرهم من ضرورات الحياة سوى الأكل والشرب وكهوف طينية تحميهم من البرد والحر ولذلك منع الكثير من الفقهاء اخراج زكاة الفطر نقدا لأن النقد في تلك العصور بلا قيمة اقتصادية كبيرة ويحتاجون لأيام عديدة حتى يصلوا للأسواق التي تتوفر فيها الثياب والطعام وتكلفهم الرحلة إلى هذه الأسواق جهدًا ووقتًا كبيرين ومالا لدفع كراء السفر والسكن مع ما يمكن أن يتعرضوا له في هذه الرحلة من الخوف وقطع الطريق وغيرها ولهذه الاعتبارات كان دفع الزكاة نقدًا مكلف وغير مفيد للفقير في تلك العصور الغابرة بل كان بلا قيمة ومن أجل ذلك منع الكثير من فقهاء تلك العصور دفع الزكاة نقدًا وأوجبوا دفعها عينا لأن ذلك هو مصلحة الفقير حينها .. أما اليوم فإن دفع الزكاة نقدًا هو الواجب العصري وعين مصلحة الفقير لأن النقود أصبحت اليوم وسيلة المقايضة والتبادل الوحيدة فيشتري بها الفقير ما يحتاج إليه من الثياب والحلوى للعيد أو يصلح به سيارته أو مكيف بيته أو يشتري بها دواء أو يتعالج بها من مرض أوغير ذلك من ضرورات الحياة التي تشعبت وتزايدت على الفقراء اليوم وأصبح الطعام أهونها .. وإن الإفتاء بدفع الزكاة عينا اليوم تشدد لا معنى له وتكلف ما أمر الله به فضلا عن أنه ضد مصلحة الفقراء وعدم فهم وتصور للواقع الاجتماعي والاقتصادي لهذا العصر .. فماذا سيفعل الفقير بأكياس من الأرز أو التمر - قد تكون من أردى الأنواع - فإن حفظها سيأكلها السوس وإن باعها فمن يشتريها منه سيشتريها بنصف قيمتها هذا إن وجد من يشتريها ويحتاج بيعها إلى زمن وجهد وسيارة ووقود قد تكون تكلفتها اضعاف قيمة الزكاة العينية .. والإسلام دين رحمة ومصلحة الإنسان فيه هي المقدمة على كل شيء وقد أفتى بجواز اخراج الزكاة نقدًا جماعة من أكابر العلماء السابقين مثل سفيان الثوري وإسحاق وأبو حنيفة وأبو يوسف وابن سيرين وجماعات كبيره من السلف .. واعتبرت دار الفتوى المصرية اخراجها نقدًا اليوم هو الأرجح والأفضل وما يحقق مصلحة الفقير .. فلماذا التشدد والتكلف في مسائل فقهية لم تعد تصلح للزمان والمكان اليوم والتمسك بها مع وجود أراء وفتاوى معتبرة تتناسب مع قيم العصر ؟!!

وكم أتمنى على أعضاء مجلس الشورى والمشرعين القانونيين أن يراجعوا مثل هذه الفتاوى ويأخذوا بالآراء الفقهية التي تراعي ظروف المجتمع الحالية وتتناسب مع قيم العصر خصوصا أن الإسلام أباح لولي الأمر اختيار ما يراه مناسبًا للمصلحة العامة من الآراء الفقهية حتى لو كان رأيًا ضعيفًا .. ولذلك فقد أخذ القانون المصري للأحوال الشخصية بالقول الفقهي الذي يجيز للمرأة الراشدة تزويج نفسها بغير ولي وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى والذي ضعف كل الأحاديث التي وردت في اشتراط الولي أو اعتبرها أحاديث تفضيل لا إلزام .. إن مثل هذه الآراء الفقهية المعتبرة هي الآراء التي تتسق وتنسجم مع الرؤية المباركة ٢٠٣٠ التي يقودها سيدي خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين والتي تسعى لمصلحة الوطن والمواطن أولًا وأخيرًا وهي رؤية مكنت للمرأة وأعطتها حقوقها وساعدت الفقراء وفتحت لهم آفاقًا جديدة وفرصا أوسع وألجمت أقلام وأفواه التطرّف التي فرقت المجتمع وحرشت بين طوائفه وأفراده وحرمت المواطنين من الفرح والبهجة عقودًا طويلة كما أن هذه الرؤية المباركة حاربت الفساد الإداري والمالي وخلصت الوطن والمجتمع من تغلغل الأفكار والأحزاب المتطرفة التي لا هم لها إلا اسقاط الوطن والدولة والمواطن مستخدمة الدين كوسيلة للوصول إلى أحلامها الرجعية العنيفة المتخلفة .

حمى الله الوطن وحفظ الله ملوكه وقادته وشعبه .

أحمد الغيلاني
تعليقات : 1 | إهداء : 0 | زيارات : 1697 | أضيف في : 05-16-2020 05:24 | [أضف تعليق] إرسال لصديق طباعة حفظ بإسم حفظ PDF

التعليقات
5985 "ابوخالد" تاريخ التعليق : 05-17-2020 12:56
مقال في غايه الروعه ويلامس الواقع جزاك الله خير وكتب اجرك

[ابوخالد]


أحمد الغيلاني
أحمد الغيلاني

الحجم

تقييم
5.50/10 (2 صوت)

مشاركة

محتويات مشابهة/ق

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الافضل تقييماً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر ترشيحاً/ق/ش

الافضل تقييماً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش

الاكثر ترشيحاً/ش

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

الاكثر تفاعلاً/ق

الاكثر اهداءً/ق

الافضل تقييماً/ق

الاكثر مشاهدةً/ق

الاكثر ترشيحاً/ق

المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لصحيفة (ثربان) الإلكترونية بل تمثل وجهة نظر كاتبها