مناعة القطيع - صحيفة ثربان الإلكترونية




لم أكن أسمع بهذا المصطلح الطبي إلا مع بداية انتشار فيروس كورونا المستجد والمعروف عالميا ب(كوفيد 19 ) وخاصة عندما وصل إلى أوروبا في منتصف يناير الماضي من عام 2020 ونادى بهذه الاستراتيجية عدد من القادة الأوربيين وعلى رأسهم رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، والتي تعني ببساطة مناعة العدوى، وذلك بأن يمارس الناس حياتهم بشكل طبيعي فيصاب معظم المجتمع بالفيروس وبالتالي تتعرف أجهزتهم المناعية عليه ومن ثم تحاربه إذا ماحاول مهاجمتها مجددا .

وهذه الاستراتيجية سرعان ما فشلت فشلا ذريعا وأدت إلى إغراق المستشفيات بالمرضى في وقت وجيز لدرجة أن أصيب جونسون نفسه بالفيروس وغيره من كبار المسؤولين الأوروبيين ، وقد تبنتها بعض بلدان أوروبا كالسويد مع أن الكثير من المختصين حذروا من خطر اتباعها وتنبأوا بفشلها منذ البداية .

ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن الحكومة السعودية حرسها الله لم تلتفت لهذه الاستراتيجية بل تعاملت مع الجائحة بطريقة ناجحه تمثلت في اتخاذ أعلى درجات التدابير الوقائية والإجراءات الاحترازية الاستباقية قبل قدوم الفيروس وتابعت تطبيقها ميدانيا منذ أول حالات ظهوره وبدايات انتشاره مما أدى بعد توفيق الله إلى انحساره بشكل كبير واختفائه قريبا إن شاء الله .

وهذه الاستراتيجية الخطيرة على صحة الإنسان والمهددة لوجوده ليست مقصورة على الجوانب الطبية فقط بل إنها تكاد تشمل كل جوانب حياة الإنسان الأخرى الاجتماعية منها والنفسبة والفكرية وحتى التصورات العقائدية .

ففي الجانب الاجتماعي مثلا تتم أدلجة الجماهير بطريقة معينة بتضافر العوامل السياسية أوالدينية في فترة زمنية معينة وعندما تنحسر تلك العوامل بعد اكتشاف خطرها يستمر الكثير من الناس في اتباع نفس الاستراتيجية مقاومين بشراسة كل الخطى التي تكشف خطرها و تنتقدها، وما ذاك لعلم تفردوا به ولا لبرهان توصلوا إلية إلا ما اكتسبوه من مناعة ضد الفهم الصحيح لأبعاد خطورة مايؤمنون به وبشاعة تبعات ما يعتقدونه على أنفسهم وعلى مجتمعاتهم .

إن الإنسان العاقل لا ينبغي عليه أن يستمر في نهج ثبت خطؤه وانكشفت عيوبه، بل عليه أن يراجع بين فترة وأخرى كل أوراقه ناقدا ومفحصا ، مستنيرا بما وهبه الله من نعمة العقل والتمييز .

إنه لمن المزري حقا بالإنسان أن يتهم عقله بالزيغ ثم يظل منقادا لفلسفة عقول الآخرين وينزلهم منازل الرسل والأنبياء المعصومين والمؤيدين بهدي السماء ، فتجد أحدهم منغمسا في كهوف الماضي التليد يسقط كل ما يجده فيها من أقاويل على حياته ويسعى جاهدا لنشرها في الملأ وكأنه لم يعلم بها في هذا الكون سواه، فتراه لا يكاد يرفع رأسه لفضاء الحياة ويتأمل اختلاف الواقع عما كان سائدا أو حتى متخيلا في تلك العصور السحيقة .

لا شك أن لكل فردالحرية فيما يعتقده ويتبناه من مناهج واستراتيجيات حياتية، وعليه أيضا أن يحترم حريات الآخرين، ولكن في نفس الوقت يتوجب عليه أن يحاول الاستقلالية والتفكر قدر المستطاع، ولا يكون مجرد تابع منقادٍ لما يمليه عليه الغير ، أو توهمه به نفسه من نوازع ورواسب مناعة القطيع .



أ. معيض بن سالم الشهري
١٤ / ١٢ / ١٤٤١هـ
تعليقات : 0 | إهداء : 0 | زيارات : 1763 | أضيف في : 08-04-2020 02:42 | [أضف تعليق] إرسال لصديق طباعة حفظ بإسم حفظ PDF


معيض الشهري
معيض الشهري

الحجم

تقييم
10.00/10 (1 صوت)

مشاركة

محتويات مشابهة/ق

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الافضل تقييماً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر ترشيحاً/ق/ش

الافضل تقييماً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش

الاكثر ترشيحاً/ش

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

الاكثر تفاعلاً/ق

الاكثر اهداءً/ق

الافضل تقييماً/ق

الاكثر مشاهدةً/ق

الاكثر ترشيحاً/ق

المشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لصحيفة (ثربان) الإلكترونية بل تمثل وجهة نظر كاتبها